أبو سعد منصور بن الحسين الآبي
109
نثر الدر في المحاضرات
له أبو خازم فلما ألحّ عليه أخبره بما قال أبو خازم ، فأطرق المعتضد ، ثم قال : صدق عبد الحميد ، هو كما قال : نحن كسائر الغرماء وأسوتهم . تقدم رجل إلى أبي خازم ، وقدّم أباه يطالبه بدين له عليه . فأقر الأب بذلك . فأراد الابن حبس أبيه بالدين . فقال له أبو خازم : هل لأبيك مال ؟ قال : لا أعلمه . قال : فمذ كم داينته بهذا المال ؟ قال : منذ كذا وكذا . قال : فقد عرضت عليك نفقة أبيك من وقت المداينة . فحبس الابن ، وخلّى عن الأب . وكان إسماعيل بن إسحاق ، قاضيا للمعتمد بمدينة السلام ، فدخل على الموفق ، فقال له : يا إسماعيل : ما تقول في هذا النبيذ ؟ فقال له : أيها الأمير ، إذا أصبح الإنسان وفي رأسه منه شيء . قال : ما ذا ؟ قال الموفق : يقول : أنا مخمور . قال : فهو كاسمه . قدم البلاذري « 1 » إلى الحسن بن أبي الشوارب في دين عليه ، فادّعى غريمه مائتي دينار . فذكر البلاذري معاملة بينهما . وعادة جرت بالنّظرة . فقال له القاضي : انظره . فقال : لم أطالبه إلا وقد علمت الساعة نعمته . فقال البلاذري : صدق أيها القاضي ، إني من اللّه لفي نعم ، لا أقوم بشكرها ، أولها : نعمة الإسلام - وهي التي لا تعدلها نعمة ، ثم نعمة العافية - وهي أفضل النّعم بعدها - وما يقضى من هاتين الدين . فقال القاضي لغريمه : انصرف ، ورح إليّ . فراح إلى القاضي ، فأعطاه عنه مائتي دينار . كان يحيى بن سعيد الأنصاري قاضيا للرشيد ، وكان خفيف الحال وكان له مجلس من السّوق . فلما ولي القضاء ، وارتفع شأنه لم يترك مجلسه في السوق . فقيل له في ذلك ، فقال : من كانت له نفس واحدة لم يغيّره الإقتار ، ولا المال . كان البرقيّ عفيفا ، صالحا ، وولي قضاء مدينة السلام أيام المعتمد ، وكان قد ولاه قبل ذلك يحيى بن أكثم . فقيل له : وليت البرقي القضاء - وهو رجل من أهل السواد ؟
--> ( 1 ) البلاذري : هو أحمد بن يحيى بن جابر بن داود البلاذري ، أبو جعفر البغدادي المؤرخ ، توفي سنة 279 ه ، له من المصنفات : « الاستقصاء في الأنساب والأخبار » ، « أنساب الأشراف » ، « فتوح البلدان » ، « كتاب عهد أردشير » . ( كشف الظنون 5 / 51 ) .